الشيخ محمد رشيد رضا

26

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عليه أفهامهم في العلم بمعانى الكتاب . ثم يبثونه في الناس ويحملونهم عليه ولكنهم لم يطلبوا ذلك ، وإنما طلبوا صناعة يفاخرون بالتفنن فيها ، ويمارون فيها من يباريهم في طلبها ، ولا يخرجون لاظهار البراعة في تحصيلها عن حد الإكثار من القول ، واختراع الوجوه من التأويل ، والإغراب في الإبعاد عن مقاصد التنزيل ، إن اللّه تعالى لا يسألنا يوم القيامة عن أقوال الناس وما فهموه وإنما يسألنا عن كتابه الذي أنزله لإرشادنا وهدايتنا ، وعن سنة نبيه الذي بين لنا ما نزل إلينا ( 16 : 44 وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) يسألنا هل بلغتكم الرسالة ؟ هل تدبرتم ما بلّغتم ؟ هل عقلتم ما عنه نهيتم وما به أمرتم ؟ وهل عملتم بإرشاد القرآن ، واهتديتم بهدى النبي واتبعتم سنته ؟ عجبا لنا ننتظر هذا السؤال ونحن في هذا الإعراض عن القرآن وهديه ، فيا للغفلة والغرور . معرفتنا بالقرآن كمعرفتنا باللّه تعالى : أول ما يلقن الوليد عندنا من معرفة اللّه تعالى ، هو اسم « اللّه » تبارك وتعالى ، يتعلمه بالأيمان الكاذبة كقوله : واللّه لقد فعلت كذا وكذا ، واللّه ما فعلت كذا ، وكذلك القرآن يسمع الصبى ممن يعيش معهم أنه كلام اللّه تعالى ، ولا يعقل معنى ذلك ، ثم لا يعرف من تعظيم القرآن إلا ما يعظمه به سائر المسلمين الذين يتربى بينهم . وذلك بأمرين . ( أحدهما ) اعتقاد أن آية كذا إذا كتبت ومحيت بماء وشربه صاحب مرض كذا يشفى ، وأن من حمل القرآن ، لا يقربه جن ولا شيطان ، ويبارك له في كذا وكذا ، إلى غير ذلك مما هو مشهور ومعروف للعامة ؛ أكثر مما هو معروف للخاصة ، ومع صرف النظر عن صحة هذا